منذ أكثر من عقد من الزمن، تغيّر مشهد مدرجات كرة القدم في مصر تغيّرًا جذريًّا؛ فمن ساحاتٍ كانت تضجّ بالحماس والهتاف، إلى مقاعد شبه خاوية ترصدها أعين الكاميرات أكثر مما تعمرها الجماهير. كانت مجزرة بورسعيد، في فبراير 2012، التي راح ضحيتها أكثر من 70 مشجعًا من جماهير النادي الأهلي، نقطة التحول الأولى، تلتها مأساة الدفاع الجوي عام 2015 التي أودت بحياة أكثر من 20 مشجعًا من جماهير نادي الزمالك، لتُغلق بعدها أبواب المدرجات تدريجيًا أمام الجمهور.
منذ تلك الأحداث، بدا أن هناك قرارًا غير معلن بإبعاد الجماهير عن الملاعب، تحت ذرائع أمنية حينًا، وتحت شعارات التنظيم والانضباط حينًا آخر. لكن وراء تلك التبريرات، تكمن حقيقة أعمق: هي أن المدرجات لم تكن مجرد مكان للتشجيع، بل كانت أيضًا ساحة حرة للتعبير الاجتماعي والسياسي، وهو ما لم يرُق للسلطة. فالهتاف لم يكن دائمًا عن كرة القدم، بل عن الحرية، والكرامة، والعدالة. كانت المدرجات إحدى ساحات المقاومة والصوت الشعبي، في وقت كانت فيه المساحات العامة تُضيّق.
مع مرور الوقت وتقييد الحضور الجماهيري، فقدت كرة القدم المصرية أحد أهم ملامحها ألا وهو “الروح”. فالمباريات باتت بلا طعم، والمدرجات صامتة، وكأنها تفتقد نبضها الحقيقي. تحول جمهور الكرة من شريك في صناعة اللحظة إلى متفرج صامت، يجلس خلف الشاشات، بينما تُفرّغ اللعبة من مضمونها الاجتماعي والتاريخي.
في هذا المقال، نرصد تحوّلات المشهد الجماهيري في الملاعب المصرية خلال العقد الماضي، ونحلل الأسباب التي أدت إلى هذا الغياب، وما تركه من أثر على اللعبة، ليس فقط من الناحية الرياضية، بل من ناحية كونها ظاهرة اجتماعية تعكس علاقة الدولة بجمهورها.
الألتراس: من صوت المدرج إلى خصم الدولة
في أعقاب ثورة 25 يناير، برز مكوّن جماهيري منظم: روابط الألتراس، مستقلة عن الدولة والأندية، ترفع شعاراته، ويهتف بما يشاء، ويدير نفسه خارج أطر السيطرة التقليدية. وقد لعبت تلك الروابط دورًا بارزًا في دعم أنديتها بحماس غير مسبوق، مستخدمة أدواتها الخاصة من “الدرمز” و”البايروهات” و”البانرات”، التي حولت الملاعب إلى مهرجانات بصرية وصوتية.
لكن مع استقلاليتها، ومواقفها الرافضة للقمع والتعذيب، سرعان ما اعتُبرتها السلطة تهديدًا. وبدأت حملات تجريم روابط الألتراس، واعتقال أعضائها بتهم مثل “التحريض على الشغب” و”الانضمام لتنظيمات محظورة”. تم تفكيك هذه المجموعات، ومنع إدخال أدوات التشجيع، ووضعت الأجهزة الأمنية قوائم سوداء تمنع بعض الأفراد من دخول الملاعب.
ولم تقتصر المواجهة على الجانب الأمني فقط، بل شُنت ضدهم حملات إعلامية، تصفهم بـ”المشاغبين” و”المخربين”، لتبرير سحب شرعيتهم أمام الرأي العام. تآكلت الثقة بين الدولة والجمهور، وبدلا من أن تكون الكرة جسرًا للتواصل، تحولت إلى ساحة للخصومة.
أدى هذا إلى تفكيك البنية الجماهيرية القاعدية، التي شكلت على مدار عقود قاعدة الولاء والانتماء لأندية مثل الأهلي والزمالك والمصري والاتحاد السكندري. واختفى مشهد الرحلات الجماهيرية، والحضور الجماعي، والتشجيع المنظم، لتحل محله أجواء صامتة باردة، تفتقد دفء الجمهور وصدق انفعالاته.
قرارات المنع.. أداة أمنية أم خيار سياسي؟
رغم مرور سنوات على الكوارث -التي تذرّعت بها الدولة لتبرير المنع- لم تُتخذ خطوات حقيقية لإعادة الجمهور إعادة كاملة. وحتى حين بدأت محاولات العودة، جاءت من خلال نظام صارم عبر شركة “تذكرتي”، التي وضعت قيودًا معقدة على التسجيل والحضور، أبرزها ضرورة الحصول على بطاقة مشجع “Fan ID”، التي تستوجب موافقة أمنية، بالإضافة إلى شروط تتعلق بالمكان والفئة العمرية.
تحولت المدرجات إلى ما يشبه المؤتمرات الرسمية، بحضور مُنتقى بعناية، وهتافٍ مراقب، وأعلام موحّدة. اختفى الحضور التلقائي، وتحول الانتماء العفوي إلى تذكرة مشروطة. وأصبح الدخول إلى المدرج ليس حقًا مكفولًا، بل امتيازًا أمنيًا.
يبدو أن قرار الإقصاء لم يكن مؤقتًا، بل كان يحمل في طياته رغبة في السيطرة على المشهد بالكامل. فالملاعب، باعتبارها تجمعات ضخمة، نُظِر إليها على أنها مساحات يصعب التحكم بها. ولعل الدولة وجدت في غياب الجمهور فرصة لضبط الصورة العامة، بعيدًا عن المفاجآت غير المرغوب فيها.
وفي المقابل، لم تُفتح نقاشات عامة جادة حول تطوير البنية الأمنية، أو إعادة بناء الثقة بين الجمهور والمؤسسات الرياضية، بل تم تبني خطاب أحادي يتحدث عن “الاستقرار” كهدف أسمى يعلو على أي اعتبارات أخرى.
جمهور غائب = لعبة مشوّهة
غياب الجمهور لم يؤثر فقط على الأجواء، بل على جوهر اللعبة نفسها. فقد خسرت الأندية دخلًا جماهيريًا كان يشكل نسبة معتبرة من مواردها، خاصة الأندية الشعبية ذات القواعد الجماهيرية الكبيرة، مثل الأهلي والزمالك والمصري والاتحاد السكندري. لم تعد تذاكر المباريات تمثل مصدر دخل مهم، ما زاد من اعتماد الأندية على التمويل الحكومي أو الإعلانات والرعاية المشروطة. وقد أضعف هذا استقلالية الأندية، وأدى إلى هشاشة اقتصادية أثرت حتى في قدرتها على التعاقد مع لاعبين مميزين أو الاستثمار في البنية التحتية.
كذلك فإن فقدان الضغط الجماهيري أفقد اللاعبين روح المسؤولية والانضباط، وهو ما أكده عدد من المدربين المحليين الذين لاحظوا تدني مستويات الأداء وغياب الحافز التنافسي. في غياب الجمهور، لا يوجد رقيب طبيعي، ولا دعم نفسي مباشر، ما يجعل من الأداء الفني أقل حرارةً وتأثيرًا.
اللاعبون باتوا يخوضون المباريات في أجواء أقرب إلى التدريبات منها إلى المنافسات الرسمية. لم يعد هناك ضغط جماهيري، ولا دعم معنوي، ولا تلك اللحظات التي ينهار فيها الخصم أمام هدير الجماهير. حتى النجوم الجدد لم يعرفوا معنى أن تسجل هدفًا أمام مدرج ممتلئ يهتف باسمك. فقدت اللعبة عنصر الإثارة، والتنافس، والدراما.
تراجعت القيمة التسويقية للدوري، وانخفضت نسب المشاهدة، وأصبح التشجيع نشاطًا فرديًا يُمارس أمام شاشات التلفاز، لا حراكًا جماعيًا يهزّ مدرجات. جمهور “اللا مدرج” أصبح جمهورًا منزليًا، يكتفي بالتحليل والتعليق، دون مشاركة حقيقية في الحدث. أما جمهور المنتخبات، فقد تحول إلى جمهور موسمي، يُستدعى في اللحظات الكبرى فقط، كما في نهائيات الأمم الأفريقية أو التصفيات المونديالية.
كيف أعادت دول أخرى جمهورها بعد الأزمات؟
لم تكن مصر الدولة الوحيدة التي شهدت كوارث جماهيرية في ملاعب كرة القدم. دول مثل إنجلترا، والبرازيل، وتركيا مرت بتجارب مشابهة، لكنها اختارت -بعد سنوات من الألم- طريق الإصلاح لا المنع. ففي إنجلترا، كانت كارثة “هيلزبره” عام 1989 -التي أودت بحياة 96 مشجعًا- حدثًا مفصليًا، لكن الدولة هناك لم تُقصِ الجمهور، بل طورت البنية التحتية للملاعب، ورفعت معايير الأمن والسلامة، وسنّت تشريعات تحمي الجمهور دون أن تجرّمه.
أما في تركيا، فقد تم اعتماد نظام البطاقات الذكية للدخول، مع ضمانات قانونية تحفظ حقوق المشجعين. بل إن روابط التشجيع هناك باتت جزءًا من عملية التنظيم الجماهيري، تُستشار وتُحترم، بدلًا من أن تُعاقب بالجملة. وفي المغرب، على سبيل المثال، شهدت الملاعب توترات عنيفة في السابق، لكن الدولة اختارت دعم ثقافة الألتراس وتنظيمها، واعتبرت أن الحل في الحوار لا في الإقصاء.
تُظهر هذه النماذج أن الحل ليس في تفريغ الملاعب، بل في بناء الثقة، وتطبيق القانون تطبيقا عادلًا، ومأسسة العلاقة بين الجمهور والأندية والدولة. فالملاعب لا يجب أن تكون ساحة خوف، بل ساحة انتماء. ومصر، بتاريخها الكروي العريق، تملك من التجربة والإرث ما يؤهلها للريادة، إذا توفرت الإرادة.
هل من عودة؟
الإجابة ليست أمنية فقط، بل سياسية أيضا. فعودة الجمهور تتطلب اعترافًا بأن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل مساحة للتعبير، والانتماء، والهوية. ولا يمكن أن تستعيد مصر ريادتها الكروية دون مدرجات حية.
المطلوب ليس رفع الحظر فقط، بل خلق بيئة آمنة وعادلة لعودة الجماهير، دون تمييز أو تصفية أو مراقبة مفرطة. فالجمهور ليس خصمًا، بل شريكًا في اللعبة. لا بد من الاعتراف بأن صوت الجمهور جزء من المشهد الرياضي، وأن الهتاف ليس جريمة، بل تعبيرًا حيًا عن نبض الناس.
ينبغي أن تبدأ الدولة بفتح حوار حقيقي مع الروابط الجماهيرية، ومؤسسات المجتمع المدني، وخبراء الرياضة، لوضع آليات عادلة لتنظيم الحضور، تضمن الأمن دون المساس بالحريات. ويمكن الاستفادة من تجارب دولية عديدة نجحت في إعادة تنظيم حضور الجمهور بعد حوادث مشابهة، من خلال اعتماد أنظمة مراقبة شفافة، وتدريب فرق أمنية محترفة، واعتماد عقوبات فردية لا جماعية.
وربما آن الأوان لإعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والجمهور، لا على أساس السيطرة والخوف، بل على أساس الشراكة والثقة. فالمدرجات التي سكتت طويلا لا بد أن تعود لتتنفس الحياة. الكرة بلا جمهور مثل المسرح بلا متفرج، تفقد معناها وتتحول إلى مجرد حركة بلا روح. والمدرج ليس مجرد مكان للجلوس، بل مرآة للمجتمع، تعكس صوته، وألمه، وحماسه.
إن عودة الجمهور ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل موقفًا سياسيًا واجتماعيًا، يعكس احترام الدولة لحق الجمهور في الفرح، والانتماء، والمشاركة.









تعليقات علي هذا المقال