في العقود الأخيرة، تحوّلت شبه جزيرة سيناء من هامش جغرافي إلى بؤرة توتر سياسي واستراتيجي حاد. لا تقتصر أهمية سيناء على موقعها الذي يربط قارتي آسيا وإفريقيا، ولا على مرور قناة السويس فيها فحسب، بل تمتد إلى تعقيدات البنية القبلية، والصراعات المسلحة، والمشاريع الإقليمية والدولية المتنافسة. غالبا ما كان ينظر إلى الصراع في سيناء نظرة تسطيحية تتجاهل المنظور المحلي والمجتمعي؛ سواء بقصد أو متأثرة بأجندة سياسية أو غربية تتعمد تجاهل حقائق ميدانية على الأرض أو تعميم وتمرير أجندة غربية أو أيديولوجية.
تناولت أطروحتي للماجستير بعنوان “دور القبلية وتأثيرها على الجغرافيا السياسية في سيناء بين عامي 1967 و2019” منظورا مختلفا يتناول التحولات المركّبة، مسلطةً الضوء على الأدوار الحيوية التي تلعبها القبائل، والتشابك بين السيادة الرسمية والسيادة الشعبية، وأثر السياسات الأمنية في إنتاج العنف لا في مكافحته. وطبيعة وجذور الصراعات التي نشأت في سيناء، والتي كانت القوى الاستعمارية والمحتلة المحرك الرئيس خلف نشأة التنظيمات المسلحة التي نفذت عمليات في سيناء، وقد كانت البداية ضد سياح دولة الاحتلال الإسرائيلي.
رسالة ماجستير بدأت من زنزانة العقرب
تعود فكرة الرسالة واختيار الموضوع إلى تجربة شخصية بدأت داخل سجن العقرب شديد الحراسة. هناك، في زنزانة انفرادية من عنبر H3، التقيت بشاب لا يتجاوز الثانية عشرة، متهم بالانضمام لتنظيم أنصار بيت المقدس، وقد كانت يده مكسورة وبعض ضلوعه متكسرة، وصل إلى السجن قادما من الكتيبة 101 في شمال سيناء ثم سجن العزولي العسكري سيئ السمعة.
في هذا المكان، كانت الفجوة بين سرديات الإعلام وواقع الانتهاكات كبيرة ولا تُقارن. التقيت بالصحفي والسياسي والطالب، وأعضاء في فريق الرئاسة، ومقاتلين سابقين شاركوا في عمليات بأفغانستان وفي عدد من دول الساحل الأفريقي. الظلم في سيناء وسجونها تجاوز التصور، والأسوأ أنني بعد أن خرجت من السجن وتابعت الأحداث في سيناء وجدت أن بعض تلك السياسات كانت تُنفذ بتنسيق بين الجيش المصري والكيان الصهيوني، وهو ما دفعني إلى الاهتمام بملف سيناء والجيش المصري لفهم التغيرات التي وقعت، وكيف تحول جيش سعد الدين الشاذلي الذي اخترق خط بارليف إلى جيش ينسق عملياته في سيناء مع جيش الاحتلال.
كانت الصورة في الإعلام تختلف تماما عما يدور في سيناء ومدنها، والاختلاف الكبير الذي وجدته في السردية بين المعتقلين من سيناء وما يروج له في الإعلام، وحتى ما هو موجود من قناعات عند عامة الشعب ونخبها. تلك التجربة وما شاهدته دفعتني بعد خروجي من السجن إلى التفكير في كيف يمكن فهم هذا الصراع وخدمته علميًا؟ وعندما بدأت دراسة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم، كانت نيتي واضحة: لا أريد موضوعًا أكاديميًا نظريًا، بل بحثًا ينطلق من الميدان ويمس واقعنا المصري المؤلم، بالرغم من الصعوبات التي واجهتني خلال تلك الدراسة في الحصول على الموثوقية من أبناء سيناء ومتابعة الأحداث عن بُعد دون الذهاب إلى أرض سيناء؛ إلا أني كنت مُصرا على الاستمرار في الموضوع.
وبالرغم من رفض عدد من أعضاء هيئة التدريس الإشراف على بحثي لأنه “معقد وحساس”، واقترحوا مواضيع أسهل. لكنني أصررت، وسعيت لاكتساب أدوات علمية لتحليل ما يجري في سيناء، وتبني العديد من الباحثين رؤية النظام دون نقد حقيقي لسياساته التي تصب في مصلحة إسرائيل.
اعتمدت في البحث على إجراء أكثر من 50 مقابلة مع أبناء سيناء سواء ممن خرج من مصر أو من الداخل عبر وسائل اتصال آمنة كحل بديل عن الزيارة الميدانية، وأجريت استبيانات مع عدد من وجهاء القبائل، واستغرق كل هذا الجهد زمنًا طويلاً بسبب حساسية المعلومات وصعوبة بناء الثقة. كان إشراف الدكتورة هبة رؤوف له دور في بناء المخيلة البحثية والنظرية، واستفدت من توجيهات أساتذة مثل د. سيف عبد الفتاح، د. محمد بوريك الذي وجهني توجيها مفيدا في فهم الفروقات بين الحروب التقليدية وغير التقليدية وتحليل الاستراتيجيات العسكرية من واقع خبرته، وكذلك د. خليل العناني، والباحث المتخصص في الدراسات الأمنية والزميل في منتدى العاصمة للدراسات السياسية والمجتمعية أحمد مولانا، بجانب أيضا كتابات الدكتورة سحر عزيز.
بناء إطار تحليلي ثلاثي لفهم الأزمة
بعد إجراء المقابلات وجدت تشعبات كثيرة وأبعاد مختلفة متعددة لا يمكن تجاهلها، وهو ما جعلني أفكر في بناء إطار نظري للرسالة يعتمد على مقاربة مفهوم الجغرافيا السياسية النقدية ونظرية التعقيد الاجتماعي، حتى يستوعب أبعاد الصراع المحلية والإقليمية في إطار واحد يجمع مفاهيم السيادة وسلوك القبائل.
تناول الجزء الأول: البناء الاجتماعي في شمال سيناء، وتأثير الامتدادات القَبَلية إلى غزة والنقب، وطبيعة التمثيل السياسي، والعلاقات بين العائلات والقبائل والدولة في مصر. أما الجزء الثاني تطرّق إلى: التنافس الإقليمي بين مصر وإسرائيل وحماس، وارتباط سيناء بملفات قناة السويس وخطوط نقل الغاز ومشاريع البنية التحتية والمياه وسد النهضة، وتحليل التنافس الدولي وتأثيره في رسم مسار الأحداث بين القوى الفاعلة في إقليم سيناء. أما الجزء الثالث فركزت فيه على: البُعد الأمني والصراعات المسلحة ونشأة الجماعات المسلحة في سيناء بين 2004 و 2020، وتقاطعاتها مع القبائل في سيناء، وحماس، والدولة المصرية، وكيف تتفاعل القبائل مع خطاب الدولة ومع المقاومة الفلسطينية.
القبائل كفاعلين في الصراعات الإقليمية
تثبت الدراسة أن قبائل سيناء ليست مجرد مكونات هامشية في الصراع، بل هي فاعل محوري في تحديد ملامح العلاقة بين الدولة والمجتمع ورسم مسار تطور الصراعات في سيناء. القبائل تُبقي على شبكات ولاء متعددة، تتراوح بين دعم الدولة، والحياد، أو التعاون مع الجماعات المسلحة بحسب الظروف السياسية والاقتصادية، ونهج الدولة. وعند الرجوع إلى التاريخ، نجد أن القبائل في سيناء كان لها دور حاسم في المعارك بين الإنجليز والعثمانيين؛ إذ كان لهم دور غير مباشر في هزيمة الإنجليز، حتى تحديدهم عبر استغلال الإنجليز لنقاط الخلاف بين العثمانيين والقبائل؛ مما جعل حسم المعركة أسهل، وبالتباع احتلال فلسطين.
واحدة من النقاط الجوهرية التي رصدتها الدراسة هي دور “الذاكرة الجمعية” في تشكيل مواقف السكان. فالتجربة التاريخية لسيناء -من الاحتلال البريطاني، إلى الحروب مع إسرائيل إلى إهمال الدولة المركزية- قد أسهمت في بلورة وعي قبلي متمرد أو ناقم على الدولة. وتاريخيًا، كان لسيناء دورٌ مركزي في دعم غزة خلال الحصار، وفي التجارة غير الرسمية عبر الأنفاق. هذه الأدوار منحت السكان إحساسًا بالسيادة الذاتية، ورؤية مختلفة لهوية الأرض والحدود والانتماء.
لعبت قبائل مثل “السوّاركة” و”الرميلات” و”الترابين” أدوارًا حاسمة في توجيه الصراعات والحروب في الإقليم، سواء عبر دعم الأنشطة الاقتصادية (الرسمية وغير الرسمية) أو في تهريب السلاح للمقاومة؛ فانتشارهم الجغرافي الممتد من غزة والأردن وسيناء وفلسطين المحتلة منحهم وزنًا عابرًا للحدود. كما فعل بعض المنتمين لأبناء سيناء من استهداف خطوط الغاز الرابطة بين مصر وإسرائيل، مما وضعهم رقما صعبا في معادلة الاستقرار الإقليمي بالرغم من محدودية القوة، لكن الفعل كان له تأثير كبير في رسم مسار الأحداث خاصة إذا ما أخذناه بشكل تراكمي.
السيادة المجزأة
اعتمدت الدراسة على مفهوم “أنظمة السيادة” الذي طوّره جون أغنيو، لإبراز كيف أن الدولة المصرية لا تحتكر السيادة في سيناء، بل تتقاسمها -واقعًا- مع القبائل، والجماعات المسلحة، وأحيانًا الفاعلين الدوليين، وهو أحد الأسباب الرئيسية في استمرار الصراعات. فالدولة المصرية لا تستطيع أن تمارس سيادة كاملة على سيناء بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، التي قيدت حضوره ووظيفته الأمنية والعسكرية، مما جعل الدولة تضع سيناء كساحة حرب محتملة، مما أوقف التنمية فيها، حيث كانت تتخوف من النمو السكاني في سيناء مع ضعف قدرتها على فرض الأمن.
وقد أظهرت السنوات الأخيرة تدفقًا للمشاريع الإقليمية الكبرى في سيناء، من توسعة قناة السويس، إلى مشاريع ربط الغاز مع إسرائيل وقبرص، إلى مخططات تطوير البنية التحتية. لكن هذه المشاريع -في غالبيتها- لم تُصمم بناءً على احتياجات المجتمع المحلي، بل انطلقت من منطق أمني واستثماري يهمّ الدولة المركزية أو الشركاء الخارجيين. وبالتالي، لم تكن التنمية شاملة أو عادلة، بل أحيانًا جاءت على حساب السكان الأصليين من حيث الإخلاء أو إعادة التوطين أو تقييد حركة الناس والبضائع.
وهنا تظهر سيناء كحالة نموذجية لسيادة مجزأة، حيث تتعدد مصادر السلطة، وتتنافس على الأرض ثلاث قوى رئيسية: الدولة بجيشها وأجهزتها الأمنية، القبائل بمنظومتها العرفية، والجماعات المسلحة بسلاحها وإيديولوجيتها العابرة للحدود، وهو ما جعل سيناء ساحة تنافس متأرجحة بين تلك القوى الثلاث دون أن يحسم طرف الأمر لصالحه بشكل كامل، لذلك كانت القبائل دورًا حاسمًا في ميل تلك الكفة.
الأمن قبل التنمية.. إشكالية الاستراتيجية الرسمية
منذ 2013، تبنّت الدولة المصرية مقاربة أمنية صارمة في التعامل مع سيناء، ركّزت على “مكافحة الإرهاب” دون موازاة ذلك بإصلاحات سياسية أو اجتماعية. بلغ عدد عمليات استهداف أنابيب الغاز في سيناء على سبيل المثال 36 مرة بين 2011 و2020، وهو ما يعكس حالة من الاضطراب والاستنزاف الأمني. كما تسببت العمليات العسكرية الكبرى، مثل “حق الشهيد” و”العملية الشاملة”، في موجات تهجير قسري وضرر بالبنية الاجتماعية المحلية، دون أن تُحدث اختراقًا استراتيجيًا مستدامًا في تحقيق الاستقرار بسيناء. وتظهر تلك الإحصائية العلاقة بين النظام السياسي وارتفاع عمليات استهداف خطوط الغاز.
بين الجماعات المسلحة والسياسات الأمنية
قدّمت الدراسة تحليلًا لتطور الجماعات المسلحة في سيناء، وعلى رأسها “أنصار بيت المقدس” و”ولاية سيناء”، وكيف نجحت في اختراق بعض البيئات القبلية، قبل أن تتراجع بفعل الضربات الأمنية والصراعات الداخلية في نوفمبر 2014 بعد أزمة البيعة لتنظيم الدولة، مما جعل التنظيم يتفكك ويحدث انشقاقات كبيرة في صفوفه وهو ما تبعه تحول في نمط العمليات وتعريف العدو. وكان المثير هو تذبذب مواقف القبائل تجاه هذه الجماعات؛ فبعضها تعاون معها -في البداية- بدافع الانتقام من الدولة، قبل أن يتحول إلى خصم شرس لها، مما يُبرز دور القيم العرفية في تنظيم السلوك المسلح.
إن ما يجري في سيناء لا يمكن اختزاله في خطاب “الحرب على الإرهاب”، بل هو نتيجة تراكمية لفشل الدولة في دمج المجتمع، وفي فهم خصوصية سيناء الثقافية والجغرافية والسياسية وموقع سيناء في إطار ملفات الأمن القومي والصراع مع إسرائيل.
إن التعامل مع سيناء وسكانها يجب أن ينتقل من منطق الحلول الأمنية إلى منطق التنمية التشاركية، والاعتراف بالقبائل كشريك لا كتهديد، وإعطاء حقوق كاملة، بداية من تملك أراضيهم وتقديم الخدمات لهم بشكل كامل دون تمييز، فالشعور العام المتجذر داخل نفوس أبناء سيناء أنهم مواطنون من درجة ثانية. كما يجب النظر إلى سيناء كبوابة استراتيجية لفلسطين لا كمنطقة عازلة، وتصحيح السياسات العامة، والانتقال من سياسات أمنية إلى سياسات شاملة. إن المستقبل لن يكون أكثر أمنًا دون عدالة اجتماعية، ولا يمكن تحييد سيناء عن المنطقة إلا باحترام سكانها وتمكينهم من حقوقهم.









تعليقات علي هذا المقال