ترددت بين العنوان السابق وبين عنوان “التدافعية: أطروحة في الذات والتغيير”، وعنوان: “زمن الردّة: فشل الأمل، وصناعة الهزيمة”. فالقضية هي: كيف يحدث التغيير السياسي؟ وما الذي يحدد قدرة الإنسان على إحداثه؟ في رسالتي للدكتوراه المعنونة بـ “التدافعية: المخيال السياسي ولعبة القوة – إعادة نظر في ثورة 25 يناير”، سَعيت للاشتباك مع هذه القضية المحورية، من خلال تطوير نظرية جديدة أطلقتُ عليها “التدافعية” (Conflictability). وهي نظرية تمثّل محاولة لفهم العلاقة الجدلية المتحوّلة دائمًا بين المخيال السياسي من جهة، ولعبة القوة من جهة أخرى، بوصفهما عاملين متلازمين يحكمان مسار التحولات الاجتماعية والسياسية.
أولًا: خلاصة الأطروحة
تقترح النظرية علينا مفهوم التدافعية، وهي تدّعي أن الإنسان قادر على استحداث واستحثاث التغيير وصناعته، وليس مجرد انتظاره وترقبه. إن أفق التدافعية ليس مجرد التغيير، بل”تغيير التغيير”. باختصار ووضوح، فإن التدافعية هي خاصية وسمة لأي ذات فاعلة (كانت دولة، أو مجتمعا، أو حزبا، أو جماعة، أو فردا). وهي تزيد وتنقص بتغير الزمان والمكان. وتتحدد درجة التدافعية وفق التناغم والتوازن بين المخيال السياسي للذات الفاعلة ولعبة القوة بقوانينها وسننها. والمخيال السياسي إجابة عن سؤالين: [1] ما الذي يحدث؟ [2] ما الذي ينبغي أن يحدث؟ فالأول سؤال “إمبريقي” يتعلق بفهم الواقع وقراءته. والثاني سؤال “معياري” يدور حول تصور المستقبل. أما لعبة القوة فهي الحياة الإنسانية كلها في الاجتماع البشري على الجملة، وهي محكومة بقوانين وسنن. وكلما زاد التناغم والتوازن بين المخيال السياسي وقواعد لعبة القوة، زاد بأس الإنسان، أي زادت تدافعيته. والعكس يؤدي لفساد البأس (ما أسميه “البؤس”). والقوة التدافعية (البأس) مركبة من ثلاثة عناصر أساسية: [1] زيادة قوة الفاعل الإنساني نتيجة مخيال سياسي جديد (فهم الواقع وتصورات الممكن). [2] التوازن بين القوة والقيم الأخلاقية. [3] القدرة على خلق واقعيات (حقائق اجتماعية) جديدة مستدامة ذاتيا وغير قابلة للنقض اجتماعيا (Regimes, repertoires, & realites).
في هذا البحث، أجريت دراسة على ثورة 25 يناير 2011 في مصر، بوصفها حالة تجسّد هذا التداخل بين الفاعل البشري ومخياله السياسي والبنية السلطوية. كانت اللحظة الثورية فعل تخيّل، ثم فعل تنظيم، ثم فعل مواجهة. وبذات القدر، مثّلت لحظة إخفاق عندما فشل هذا التصوّر الجديد في التحوّل إلى واقع سياسي مستدام وغير قابل للنقض. الثورة المصرية لم تفشل لأنها افتقدت “الرؤية” فقط، بل لأنها واجهت ثلاث مشكلات متداخلة. أولًا، كانت الأحداث أكبر من الفاعلين؛ الذين انجرفوا في ديناميكيات لم يكونوا مستعدين لها إطلاقا. وأدى هذا بدوره إلى “عجز مكتسب” وقع الجميع في إساره. ثانيًا، تشوّه القيم المؤسسة، إذ تحوّلت قيم المبادرة والوحدة والأساس الشعبي إلى نقيضها (خاصة في شكلها الصارخ في حالة ائتلاف شباب الثورة). ثالثًا، العجز عن إنتاج واقع جديد؛ إذ لم تستطع القوى الثورية التحوّل من لحظة احتجاجية إلى قوة سياسية منظمة. فشلها لم يكن في إشعال الثورة، بل في تحويلها إلى منظومة جديدة. وبالتالي، فإن فشل الثورة في جوهره هو فشل في التدافعية.
وقد توصّلت في ختام البحث إلى مجموعة من البصائر والمعالم. أولها أن المخيال السياسي هو الشرط الأول لأي فعل تغييري؛ إذ لا يمكن للفاعلين أن يغيّروا العالم دون مخيال سياسي جديد. ثانيها، أن استدامة التحوّلات الاجتماعية والسياسية تتطلّب إنشاء أنظمة اجتماعية جديدة، لا الاكتفاء بتعديل الأنظمة القائمة. ثالثها، أن مقاومة الإمبريالية والبُنى السلطوية تحتاج إلى فهم عميق للزمن والتاريخ والبنية والفاعلية، لا إلى الشعارات فقط.
ثانيًا: سؤال البحث وأهميته
سؤال البحث الذي انطلقت منه يتمحور حول ظاهرة فساد البأس (البؤس)، الذي يعني تآكل وانحطاط قدرة الفاعل البشري على التغيير، وتحول الذات الفاعلة من القوة إلى ضعف، وفقدانها المبادرة أمام منطق البنية ومقتضيات السلطة، وعدم قدرتها على الاستفادة من الفرص السياسية المتاحة واستغلالها. ومن هنا جاءت أسئلتي: لماذا يفشل الفاعلون في مساعي التغيير؟ ما الذي يؤدي إلى ضمور المخيال السياسي؟ وما هي شروط بناء قدرة متجددة على خلق الواقع، لا الاستسلام له؟ هذه الأسئلة ليست محصورة في الحالة المصرية فقط، إذ إنها تمتد لتشمل تجارب التغيير في العالم العربي عمومًا (والثورات والتغيير على نحو أعم)، كما أنها ترتبط بمسائل فلسفية عميقة حول الذات الفاعلة، والبنية، والزمن، والصراع. فضلا عن ذلك فأطروحتي تعيد طرح قضايا محورية في العلوم السياسية والاجتماعية: مثل العلاقة بين البنية والفاعل، ودور القيم في الفعل السياسي، وشروط التغيير الاجتماعي المستدام. كما أن هذا السؤال يكتسب راهنيته من واقع مأزوم، يشهد تكرار أنماط الفشل بعد كل محاولة للتغيير. لذلك، قدّمتُ في أطروحتي نظرية التدافعية بوصفها محاولة تركيبية تتجاوز ثنائية “الفاعل والبنية” (structure vs. agency)، وتسعى لتفسير التغيير السياسي والاجتماعي. للإجابة عن هذه الأسئلة، أجريت تحليلا مفصلا لثورة 25 يناير في مصر، بوصفها نموذجا يجمع بين لحظة انبثاق ثورية استثنائية، وإخفاق لاحق مثير للتساؤلات. وقد وجدت أن تفسير هذا الفشل لا يكمن في العوامل الخارجية وحدها، ولا في وحشية الثورات المضادة فقط، بل –وهنا لبّ الأطروحة– في تآكل وانحطاط تدافعية الفاعلين أنفسهم.
ثالثًا: أبرز الاستنتاجات
من خلال تحليلي للثورة، وبالأخص لتجربة ائتلاف شباب الثورة الذي لعب دورًا محوريًا في إشعال لحظة يناير، توصّلت إلى مجموعة من الاستنتاجات النظرية والعملية المهمة:
- المخيال السياسي شرط أوّلي للتغيير: لا يمكن لأي فاعل أن يُحدث تغييرًا دون فهم حقيقي كافٍ للواقع، وتصوّر للمستقبل وما ينبغي أن يكون عليه. في لحظة يناير، كان المخيال السياسي الشبابي ثوريًا، وجامعًا، ومتجاوزًا للاستقطاب، لكنه لم يُطوّر لاحقًا ليتناسب مع تعقيدات الواقع الجديد فأصبح متكلسا وبات عقبة أمام التغيير.
- الدخول في حالة من العجز المكتسب (learned helplessness): نتيجة أن الأحداث كانت أكبر منهم ونتيجة للصدمات المختلفة التي عاشها الفاعلون، دخلوا في حالة من العجز المكتسب (وهو مفهوم استعرتُه من علم النفس) قضت على شجاعتهم وقدرتهم الإبداعية، ومن ثم على تدافعيتهم.
- فشل في التحوّل من الفعل الثوري إلى الفعل المؤسسي: لم ينجح الشباب الثائر في التحول إلى قوة سياسية منظمة. فازوا بالشارع، لكنهم خسروا الصندوق، ولم يملكوا الأدوات المؤسسية التي تُمكّنهم من ترجمة التغيير إلى واقع دائم.
- تشوّه منظومة القيم المؤسسة: قيم المبادرة، والوحدة، والانفتاح الشعبي التي حرّكت الثورة تآكلت لاحقًا في خضم الصراع السياسي والمنافسة الحزبية.
- افتقار للقدرة على ابتكار واقع جديد: الاكتفاء برد الفعل، دون تقديم تصورات بديلة واضحة للبنية السياسية، أدى إلى نوع من “الفراغ الثوري”، الذي ملأته القوى المضادة لاحقًا.
- الحاجة إلى إطار نظري جديد: الأدبيات الغربية حول الصراع غالبًا ما تغفل الأبعاد القيمية والروحية. أما الإسلاماتية، فهي تقليدية أو وعظية في الغالب. لذا، فإن التدافعية تسعى لملء هذا الفراغ النظري.
- مهما خططت للتغيير، فإن التغيير سيفاجئك دائما: لأنّ لحظة التغيير لا تنبثق فقط من عقل مخطِّط، بل من تفاعلٍ حيّ بين الفكرة والظرف، بين المخيال ولعبة القوة. فحركة الذات الفاعلة في الحياة منفتحة على عالم الغيب، وفي حركة التاريخ دوما دور للصدف الغامضة والمفاجآت الماكرة.
- الفاعلية السياسية ليست مضمونة ولا دائمة: بل هي عرضة للفساد والانهيار والتآكل والانحطاط؛ ما لم يتم الحفاظ عليها وصيانتها بنظرية وممارسة نقدية، وتجديد دائم للمخيال السياسي كي يتناغم مع لعبة القوة المتغيرة دائما.
رابعًا: لماذا اخترت هذا الموضوع؟
أما عن سبب اختياري لهذا الموضوع، فقد كان شخصيًا وفكريًا وحركيا في آن. من جهة، أنا ابن هذا الجيل الذي عاش الثورات وأحلامها، وانكسر في خيباتها. ومن جهة أخرى، وجدتُ في التراث الخلدوني إطارًا تحليليًا مهملًا، رغم ثرائه، لفهم الديناميكيات السياسية والاجتماعية للعالم الإسلامي. لقد لفت ابن خلدون الانتباه إلى مسألة فساد البأس، لكنه لم يقدّم تصورًا نظريًا لمعالجته. فكانت أطروحتي محاولة لاستئناف هذا النقص، ليس فقط بقراءة ابن خلدون من جديد، بل بالبناء عليه، وتطوير أدوات تحليل جديدة تُبقي على حسّ الارتباط بالتراث. ومن جهة ثالثة، كان سبب اختياري لهذا الموضوع حركيًا كذلك، إذ لم يكن بحثي الأكاديمي منعزلًا عن الواقع، بل كان امتدادًا لانخراطي الفعلي في ساحات الثورة، والنقاشات العامة، والمبادرات الشبابية التي نشأت مع الثورة وبعدها. لقد وجدتُ نفسي، مثل كثيرين من أبناء جيلي، أتنقّل بين الحلم والتنظيم، بين الشعارات والعمل الميداني، بين الأمل في ولادة عالم جديد، والخيبة من موت هذا الجنين. هذا التوتر العاطفي والفكري، بين الالتزام العملي والتفكّر النظري، دفعني إلى محاولة فهم ما حدث لنا، وكيف ولماذا أخفقنا، رغم صدق البدايات ونبل المقاصد. لقد كان البحث بالنسبة لي شكلًا من أشكال الوفاء للثورة، وسعيًا لإعادة تعريف الممارسة السياسية من منظور يُنصف الفاعل لا البنية فقط، ويُعيد الثقة بقدرتنا كأفراد ومجتمعات على أن نصنع التغيير، بدل أن ننتظر حدوثه من علٍ. كذلك شعرت بالحاجة لأن أقدّم مساهمة عربية وأصيلة في النقاش العالمي حول التغيير والتحول الاجتماعي، خاصة في ظل هيمنة نماذج تفسيرية غربية غير قادرة على فهم تعقيدات المجتمعات الإسلامية والعربية، لا من حيث البنية، ولا من حيث القيم، ولا من حيث الهموم.
ففي مسعاي لصياغة مفهوم التدافعية، تجاوزتُ الأدبيات الغربية حول الصراع، لأنها –رغم غزارتها وتنوع مناهجها– غالبًا ما تتجاهل الأبعاد القيمية والروحية، كما أنها لا تعبأ بالمسئولية الأخلاقية للعلم ودوره في التحرر والانعتاق. فالأدبيات الغربية غالبًا ما تنزع إلى اختزال الفعل السياسي في علاقات القوة والمصلحة والنفعية البحتة، متجاهلة بذلك البواعث الأخلاقية، والدوافع الوجودية، والإيمان العميق بالحق والعدل الذي يحرك كثيرًا من الفاعلين، خاصة في السياقات غير الغربية. فالنموذج الغربي، المتأثر بالليبرالية السياسية والبراغماتية الفلسفية، يضع الإنسان في موقع الكائن الأداتي، لا الكائن الأخلاقي أو الرسالي. وبهذا، يغيب عن التحليل مفاهيم مركزية مثل النية، والإخلاص، واليقين، والجهاد، والشهادة، التي تشكّل في السياقات الإسلامية والعربية دوافع أصيلة للفعل الثوري والمجتمعي. ومن هنا، جاءت حاجتي إلى بناء نظرية التدافعية بوصفها إطارًا يأخذ هذه الأبعاد على محمل الجد، ويعيد إدراج القيم والروح والمعنى في قلب تحليل التحول السياسي والاجتماعي ليقول: نحن مسئولون جميعا عن تفكيك البنية الإمبريالية وهدم “الماتريكس” وصياغة عمران جديد.
كما أن الأدبيات المعنية بالدراسات الإسلامية، للأسف، لم تقدّم في جملة ما اطلعت عليه سوى تصوّرات بدائية للمفهوم، واختزلته في مجرد كلمة “الصراع” أو “المواجهة”، من دون بناء مفاهيمي متماسك وإطار نظري عميق يربط بين السنن القرآنية، والتجربة التاريخية / الواقع، والتحليل السوسيولوجي المعاصر. في كثير من الأحيان، تم التعامل مع مفاهيم مثل التدافع أو الجهاد بوصفها شعارات حماسية أو شعائر دفاعية، لا مفاتيح نظرية لتحليل التغيير الاجتماعي وبناء المشروع الحضاري.
خاتمة فاتحة
إن التدافعية رؤية تدعو إلى إعادة تشكيل العالم لا عبر نقضه فقط، بل عبر تخيّله من جديد، وتحويل هذا التخيل إلى أدوات وأفعال ونظم تعيد للإنسان فاعليته، وتعيد للمجتمع قدرته على الانعتاق والنهوض. نظريتي إذًا ليست مجرد نداء للثورة بقدر ما هي دعوة لتثوير المخيال أولا. وهي ليست مشروعًا لتغيير الواقع فحسب، بل لصناعته أيضا. ما حاولت أن أقدّمه هو أداة تحليلية لفهم كيف يمكن للفاعلين الاجتماعيين أن يكونوا “فاعلين” حقًا، لا مجرد ردود أفعال في لعبة أكبر منهم. وفي ذلك، فإن هذا البحث لا يستهدف الأكاديميين والمثقفين فقط، بل يسعى لأن يكون جسرًا بين الفكر والعمل، بين المفهوم والميدان، بين النقد والتغيير. أملي أن تقدم التدافعية للناس أفقا مفتوحا للحركة والفعل المباشر وأن يلهمهم ويساعدهم في تغيير التغيير.
في زمن الانكسار، والتشظي، واستعصاء التغيير، تبقى الحاجة ملحّة لبناء مخيال سياسي جديد، يعيد الاعتبار للإنسان، لا بوصفه ضحية للواقع، بل صانعا له. وفي هذا الأفق، أقدّم التدافعية كمفهوم مفتوح، قابل للتطوير، ويستدعي كل من يؤمن أن التاريخ لم يُقفل، وأن المستقبل لم يُكتب بعد. وفي زمن السرعة والسيولة والتفاهة السياسية، يبقى التحدي هو الحفاظ على الجِدية في الطرح، والعمق في التحليل، والجرأة في الحلم. ولعل هذا ما تسعى نظرية التدافعية لتقديمه: حلم عقلاني، مستحيل ممكن، وتحليل ملتزم، ونظرية قابلة للتطبيق. إن التاريخ لم يُقفل بعد، والمستقبل ليس سطرًا مكتوبًا، بل هو مساحة مفتوحة لكل من يملك الشجاعة، والمخيال، و… التدافعية.









تعليقات علي هذا المقال