لم يعد مستغربا حين يرى المصريون أنفسهم -وغيرهم- وهم يصوّرون ويعرضون كل تفاصيل يومياتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، من أحاديث وطعام وشراب وتحدّيات الألعاب ومقالب في الشارع وكواليس أخرى. إذ كل هذه الممارسات أصبحت روتينا عاديا، لأسباب ودوافع متداخلة ومتباينة: نفسية، واجتماعية، وسياسية. وجزء رئيسي من هذا كله هو نتاج الحالة السياسية في مصر، فماذا يفعل المصريون على وسائل التواصل الاجتماعي؟
اليوميات العارية للمصريين
“هوس المصريين بالصورة”، هذه الجملة ليست مجازا أو استشرافا نقديا يتنبّأ بما سيحدث مستقبلا، بل باتت واقعا يوميا لشريحة عُظمى من المجتمع المصري. شريحة تنتمي إلى فئات مُجتمعية عاشت طيلة حياتها في الظل، ظل السُلطة السياسية أو الاجتماعية، إنهم “التابعون” بوصف الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، لكنهم ومنذ تفشي استخدام الهاتف الذكي ومنصات التواصل الاجتماعي، خرجت هذه الفئات التابعة -حسب وصف غرامشي- من الظل إلى المركز، حتى إن لم يكن مركزا للسُلطة سواء السياسية أو الاجتماعية، فهو مركز وسط فئات أُخرى، من ذات الطبقات الاجتماعية والمادية. لكن، كيف ظهروا؟ وماذا قدّموا؟[1]
إنهم يقدّمون ذواتهم، بما تمتلك من أجساد وألسنة، كي تصبح عرضًا لكل ما تمثّله أو تتفوه به من أجل جمع المشاهدات. وهنا، لا تُعد هذه المشاهدات مجرد أرقام، بل تمثل نضالا يبحث عن “الاعتراف” من الآخر، الذي يتمثّل في تلك الأرقام. هكذا يحاولون -من خلال جمع مشاهدات كثيرة- الخروج من فضاء الظل المُهمّش إلى فضاء المركز المرئي، حتى إن كانت هذه الرؤية تقتصر على أبناء المنطقة أو القرية أو البلد الذين يسكنونه فقط. إن هذه الفئات غير المرئية وجدت فرصتها للخروج إلى المرئى العام، حسب وصف الفيلسوف الألماني أكسبل هونيث، إنها ساحتهم الجديدة للنضال[2].
السعي إلى نيل الاعتراف لدى تلك الطبقات وراءه دافع نفسي اجتماعي. لكنهم لا يجدون ما يقدِّمونه، فلا يمتلك هؤلاء الناس محتوى معرفيًا لتقديمه للمشاهدين، ويخافون -بسبب حالة القمع السُلطوية- من تقديم أي آراء تشتبك مع السياسة من قريب أو بعيد، مثل حالة الإفقار الناتجة عن وجود سياسات اقتصادية خاطئة لنظام السيسي. لذا، تكون قصص الناس عبارة عن موعظة دينية مقدَّمة في شكل سيناريو فيلم قصير، وكلّ هذه الحكايات هي إشكاليات تخص الاجتماعات المصرية، الريفية منها بنسبة أكبر من الحضرية، مثل: إشكاليات الخيانة، ولباس المرأة، والسرقة، وخاصة سرقات الميراث بين الآباء والأبناء والإخوة، وغير ذلك من إشكاليات تجدها في كل الحكايات المسائية والصباحية بين الأهالي في مقاهي الريف المصري.
بجانب تلك القصص التي ترتبط بالإشكاليات الأخلاقية، انتشرت حكايات حول وجبات الطعام في البيت المصري، إذ كانت كلُ الحكايات التي تُقدَّم في شهر رمضان الماضي ترتبط بوجبات الطعام، وكيف أن الزوج أو الزوجة لا يحبان أن يعزما أهالي بعضهم البعض على وجبات الإفطار، بل يخفون الطعام عنهم، ويقدمون لهم وجبات بسيطة، بحجّة أنهم لا يفضلون أن يُطعموهم وجبات غالية من اللحم والدجاج، وهذا يدل على أن بعض الأخلاقيات صارت محلّ نقاش ونقد لدى تاريخ العائلات في البيت المصري، كما يوضح بشكل غير واعٍ، كيف أصبحت وجبات الطعام -في ظل حالة الإفقار المُدقِع التي أصابت المُجتمع- تصنع حكايات تلك المقاطع المُصورة. إنّها دلالة رمزية على مكانة الطعام الحالية في البيت المصري، مكانة صارت كبيرة، نظرا لشحّ الأموال وحالة الفقر التي يعيشها أعداد كبيرة من المصريين.
تاريخيا، حالة الإفقار الموجودة لدى شرائح كبيرة من المصريين، تأخذنا إلى دافع أساسي وراء تصوير مقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي، فهي إلى جانب السعي نحو نيل الشهرة، والاعتراف؛ ترتبط بشكل أساسي بالسعي إلى كسب المال، إذ تجلب هذه الفيديوهات -من خلال المشاهدات والإعلانات على كل المنصات- ربحا لأصحاب تلك القنوات والحسابات؛ ما يجعل من هذه المقاطع بمثابة عمل ثابت، أو وظيفة تؤدَّى مثلها مثل كل الوظائف المكتبية وغير المكتبية التي يذهب إليها الناس، وفي حالات مُختلفة يستعين صناع السينما والدراما بأصحاب تلك الفيديوهات -بما أنهم أصبحوا أجسادا مشهورة في عين المجتمع- للعمل معهم وخصوصا في المسلسلات الرمضانية، فلم يعد تصوير المقاطع شيئا يستطيع مؤدّوه الاستغناء عنه، بل أصبح طقسا يوميا، كونه مصدرا للدخل المعيشي، وكذلك مسارًا لتكوين الثروة الذي فشل هؤلاء في تكوينها بسبب تاريخهم المهمّش، والمُرتبط بتاريخ سياسات الإفقار التي تمارسها الأنظمة الحاكمة في مصر.
الانتقال بالنضال من السياسة إلى التقنية
على منصة تيك توك، يقضي كثير من المصريين -لاسيما المراهقين منهم- أوقاتا كثيرة في ألعاب التحدي التي يتيحها التطبيق، وأشهر هؤلاء شاب مصري اسمه عمر فرج، اشتهر بغرامِه بالنادي الأهلي المصري، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة. عمر هو من أبرز الموجودين على تطبيق تيك توك، ويجري تحدّيات المقالب، بمشاركة أخيه الذي يَلبس الحجاب لاعبًا دور أّمّه في بعض التحديات والمَقالب مع الآخرين. اشتهر عمر بسبب “خفة دمه” مع الناس، إضافة إلى الإعاقة الجسدية التي يعاني منها. إن هذه الإعاقة كانت في وقت سابق تمثل حالة خاصة لدى النظام السياسي والاجتماعي، كي يوفر لها مساحة خاصة من الصحة والعيش الكريم. بما أن الجسد لا يستطيع أن يعمل ويتعايش بشكل صحي وطبيعي، اتجهت إلى التقنية مُتمثلة في وسائل التواصل الاجتماعي كي توفر لها المال، من خلال وجودها ضمن المسابقات والتحدّيات. إن التقنية أخذت محل السياسة كساحة للوجود والتحدي والنضال، أو بمعنى أدق، وفرت التقنية مسارا مُريحا للحصول على ما هو مُفترض أن تُقدّمه الدولة.
هنا، أصبح التحدي متمثلا في النضال داخل المسابقات: نضال مُجتمعي لا سياسي، تحدٍّ يجلب الضحك. وأصبحت فضاءات التقنية ساحة للصراع بدلا من فضاءات السياسة. هنا المُجتمع يمارس تحدّيًا لذاته من خلال هذه الألعاب، مبتعدا تماما عن تحدّي الآخر: وهو السُلطة ونظامها السياسي. إن المُجتمع -بممارسات كهذه- يسير حرفيا على مقولة المفكر الفرنسي ميشيل لاكروا: “بما أن العالم لا يمنحني فرصة للتأثير فيه، فإنه لا يبقى لي إلا أن أمارس قدراتي على نفسي”[3].
كما في فيديوهات أُخرى، يمثل المُجتمع حالة ثورية، ليس على سياسات النظام الحاكم بل على ذاته، على جسدٍ آخر يشبهه. بمعنى، أنه توجد مقاطع مصورة بشكل مخصوص من أجل السخرية من المحتوى المقدَّم، سواء في القصص الريفية كما ذكرنا سابقا، أو حتى من خلال المسابقات والتحدّيات. إن هذه المقاطع تسخر من المقاطع الأُخرى، من تفاهتها وعبثية تمثيلها: إنّهم يعلّقون على التفاهة بالتفاهة أيضا، وينتقدون الفراغ بتقديم فراغ آخر، فهم أيضا فرّغوا أوقاتهم للتعليق على فيديوهات تافهة، بضحكات تافهة، وهدفهم من محتواهم هو الهدف نفسه للمحتوى الذي يسخرون منه: الاعتراف والربح. فما هي القيمة من التعليق على التفاهة بالتفاهة ذاتها؟ والتعليق على الضحك بالضحك؟ لا هدف سوى الاحتياج إلى النقد، وبما أن السياسة لا محل لنقدها، إذن، ننقد أي شيء، بأي طريقة.
السلطة السياسية -ما بعد يوليو 2013، بقيادة السيسي- أفرغت المجال السياسي في مصر، بمعنى آخر، عرّت المصريين من وجودهم كذوات سياسية، ما أدى إلى تعرية المصريين لأنفسهم وغيرهم في فضاءات أُخرى مثل التقنية. إن المصريين لا يعرّون حيواتهم فحسب من خلال يومياتهم في الشارع والبيت وغير ذلك، بل هم يعرّون الآخرين من خلال التعليق عليهم بفيديوهات أُخرى، أو حتى من خلال برامج مقالب الشارع التي من خلالها تُمارس فيها الإهانة والعنف تجاه الآخر: المواطن الذي يمشي وهو يحدّث نفسه مُتعبا ومُنهكا، باحثا عن سبيل لتلبية احتياجات يومه الأساسية، إذ يُضرب الناس ويُهانون، من المُجتمع لا السُلطة، بهدف التصوير والعرض، بما يجلب مشاهدات كثيرة. إنه الإذلال المرئي، كأنه بداية تأريخ تقني للإذلال بهدف الضحك والربح.
إن إفراغ الحياة السياسية والثقافية بسبب قمع سلطوية السيسي، أنتجت -إلى جانب أسباب أُخرى- ظواهر جديدة شكّلت تمثلات المصريين على منصات التواصل الاجتماعي. وبات واضحا أن المصريين لديهم عري ثقافي، واغتراب سياسي، واستلاب إنساني، أخذهم إلى تقديم الفراغ. بل أصبح الفراغ -ذاته- أيديولوجيا، حسب وصف أستاذ الاجتماع الفرنسي جيل ليبتوفيسكي، تُمارسها فئات مُجتمعية متداخلة طبقيًا[4]. كذلك المجتمعات التي خرجت من ثورات فاشلة وحروب طويلة، مثل: مصر ولبنان، بينما تعيش تحت وطأة الاستبداد وأشكاله المختلفة، هي مُجتمعات منهكة تبحث عن ذواتها التائهة. ذوات تستقبلها منظومات اُخرى، اقتصادية نيوليبرالية، تُلبسها -كما تُلبَس أي موضة جديدة- مفاهيم جديدة لتحقيق ذواتِها، مثل مفاهيم الاستهلاك، والإنجاز، والبطولة الفردانية، وغير ذلك ممّا نعيشه في أسواق المفاهيم السائلة في زمننا الحالي.
المصادر
[1] يمثل “التابع” الفئات المُهمّشة، من الطبقات الفقيرة والأَدقع فقرا، بمختلف حِرفهم وأعمارهم ووجودهم الجغرافي في العاصمة والأقاليم. وقد كَثُرت الدراسات التي تتمحور حول “التابع” كمفهومٍ وممارسة على السواد الأعظم من الشعب الهندي، المُستغَل من الطبقات البرجوازية الهندية المُتعاونة مع الاحتلال البريطاني، والحاكمة بعد زواله. مع بداية الثمانينيات برز حقل “دراسات التابع”، ومن أشهر منظّريه المؤرخ الهندي رانغيت غوها ولحقه شهيد أمين وغيانيندرا باندي وسوميت ساركار وديفيد هادريمان، وبفضل تنظيرهم المبدئي، اهتم آخرون وصدرت مجلة دراسات التابعين Subaltern Studies. كما في مصر أيضا تواجد بعض المُهتمين بـتأريخ حياة التابعين، أبرزهم أستاذ التاريخ خالد فهمي، كما في أطروحته “كل رجال الباشا” عن حياة فلاحي مصر، أوائل القرن التاسع عشر.
[2] أكسل هونيث، الصراع من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقية للمَآزم الاجتماعية، ترجمة جورج كتورة، المكتبة الشرقية، ط1 بيروت 2015.
[3] ميشيل لاكروا، عبادة المشاعر، ترجمة أمين كنون، أفريقيا الشرق، المغرب، ط1 2017، ص28.
[4] جيل ليبوفيتسكي، عصر الفراغ: الفردانية المعاصرة وتحولات ما بعد الحداثة، ترجمة حافظ إدوخراز، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط1 بيروت 2018، ص 53.







تعليقات علي هذا المقال