عقدٌ على ثورة الخامس والعشرين من يناير، ورغم مُضي السنين إلا أننا مازلنا نواجه ذات الأسئلة المتكررة التي أضحت شبه مقررًا سنويًا، يعرض علينا في مناسباتٍ كتلك، خصوصًا منذ عزل الرئيس الراحل محمد مرسي، حيث دخلت البلاد فترةً هي الأقسى في تاريخها، مذبحةٌ هي الأبشع في التاريخ الحديث، عدد السجناء السياسين هو الأكبر على الإطلاق منذ تأسيس الجمهورية عام ١٩٥٢ وسجون لا حصر لها تبنى كل يوم، أحكام إعدامٍ سياسية في سبع سنوات تتجاوز الأحكام التي أصدرتها دولة مبارك البوليسية في أكثر من ثلاثين عامًا حكمت فيها.
واقع سياسي واجتماعي واقتصادي لم تشهد له البلاد مثيلا منذ عقود، وهو ما يطرح أسئلة من نوعية: ماذا لو؟ متى؟ مَن؟ وكيف؟! وغيرها من علامات الاستفهامٍ التي تحمل مرارة السؤال وانعدام الإجابة في الوقت ذاته، فماذا لو لم نسلِّم الجيش مقاليد الأمور بعد ١١ فبراير؟ ولو لم يصل مرشح جماعة الإخوان المسلمين للحكم؟ ولو لم تدعم قطاعات سياسية واسعة التدخل العسكري لإزاحة الخصم السياسي؟ والأهم من وجهة نظر أغلب المتناحرين؛ متى يهُب الناس للثورة؟
أسئلة تبحث عن الإجابات
لم ينجح منتسبو المجموعات السياسية في مصر، في الإجابة على أي من تلك الأسئلة التي استهلكت سنوات من الخصوم في تجاهل، غير متعمد، على أحسن تقدير، لأهمية التحول الذي حدث بسقوط حسني مبارك، منتظرين تكراره دون حراك، كأن التاريخ يجب أن يعيد نفسه وكأننا يجب أن نعيش ٢٠١١ مرة ثانية، وكأن الثورة لا يجب إلا أن تكون بحذافير ما حدث، وكأن مبارك لم يسقط نتيجة حراك طويل بدأ مع الألفية الجديدة نتيجة السياسات الاقتصادية التي نجحت في وضع مصر ضمن مصاف الدول الأكثر فقرًا لعقود، والإجراءات البوليسية التي عاشها كل المصريين نتيجة سطوة جهاز أمن الدولة على كل وأي شيء.
الغريب في القصة السابقة أن أولئك الذين تجاهلوا كل هذا، كانوا بالأساس صناع الثورة ضد مبارك، وانتشروا في الشوارع لسنين، واضعين الأسس التي أهلت المجتمع لرحيل دول مبارك.
على مدار سنوات منذ الانقلاب، سادت التوقعات بالغضب العارم من السياسات الاقتصادية، خصوصًا مع انتشار دعوات ما أطلق عليها ثورة الغلابة، لكن كانت نتيجة انتظار قيام الحراك، هي اللاشيء، حيث تجاهلت هذه المجموعات السياسية تأثير القبضة الأمنية في نفوس الناس، فاليمين واليسار والوسط كلهم في السجن والقتل خارج نطاق القانون وصل لمعدلات مقلقة، وتبرره الدولة من خلال ماكينتها الإعلامية في كل الأحيان، حتى أصبح خيار الموت على فراش الجوع، إجابة أكثر منطقية من الموت في تظاهرة، أو السجن والتنكيل.
تكرر السيناريو ذاته مع توقيع السلطة في مصر على اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وهي الخطوة غير المسبوقة في تاريخ الأنظمة السياسية المتعاقبة، حتى أن سفير السعودية السابق لدى مصر وجامعة الدول العربية أحمد قطان، قال إن مبارك نفسه ظل يماطل لسنوات دون الاستجابة للمطالبات السعودية المتكررة باستعادة السيطرة على الجزيرتين، وهو ما يمثل حجم السابقة التي أقدمت عليها دولة السيسي، في ظل ما تمثله “الأرض“ في المخيال الجمعي المصري من أهمية بل وحتى قدسية صنع عنها الأفلام وكتبت فيها الروايات، خصوصًا ما تمثله تلك المناطق التي قاتل عليها المصريون واستشهد وأصيب منهم على ترابها ورويت عنهم قصص البسالة والحرب دفاعًا عنها، ورغم وجود حالة من عدم الرضى داخل جناح الدولة، تجلى أبرزه في حكم محكمة القضاء الإداري بمصرية الجزيرتين، إلا أن حراك تيران وصنافير، قد مرَّ، إلا من عشرات المعتقلين الذين حكم عليهم بالسجن والغرامة بتهمة التظاهر.
انتظار البطل المُخلص،
أو
علي الزِّيبق.
استجلاب الثورة لا ينتهي، فمع النقاش المجتمعي الواسع التي حدث مع خروج المقاول والممثل محمد علي معلنًا عن حجم الفساد داخل المؤسسة العسكرية، وحكايات إهدار المليارات على قصور واستراحات رئاسية، ما استرعى آذان الملايين الذي يعيش أكثر من ثلثهم تحت خط الفقر، حينها. وفي أثناء رفع الدعم عن أبسط احتياجاتهم كالخبز والمواد الحارقة، يهدر الرئيس صاحب مقولة “فقرا أوي“ المليارات على تلبية طلبات زوجته وأولاده في القصور والاستراحات.
كانت هناك حالة غضب حقيقية مما أخبر المقاول العالم به، والأكثر من ذلك هو حالة الاستغراب التي سادت، بعد تبجِّح السيسي ببناء القصور، معلنًا أن “بَنَى وسيَبْني“، في تحدٍ غريب للمواطن الفقير الذي يعيش يومه بأقل من ٢٠ جنيهًا، وهو ما استدعى بالتأكيد، انتظار هذه المجموعات أيضًا لهبة شعبية ضد الفقر والجوع والأجندة الاقتصادية وتبجح الرئيس والقمع، وكل المساوئ التي يعيشها المواطن اليوم، ورغم أن الحراك كان فريدًا من نوعه منذ وصول السيسي للحكم عام ٢٠١٤، إلا أنها كانت موجة لم يستطع أحد البناء عليها أو استثمارها بشكل عاقل بعيدًا عن التشنجات أو الآمال الوردية، حتى أن هذه الموجة نفسها، رغم خصوصيتها الشديدة، في سياقها الزمني وواقعها الاجتماعي، إلا أن المجموعات المعارضة حاولت تكرارها أيضًا، علي نفسه حاول تكرارها وفشلت فشلًا ذريعًا محى معه نجاح الحدث الأول.
العامل المشترك في كل ما حدث، هو أن المعارضة فشلت في استنساخ يناير، فحاولت استنساخ أي حدث مشابه ولو شبهًا عرَضيًّا لثورة يناير، وفشلت في ذلك أيضًا، وهو ما يدفعنا لتغيير السؤال هذه المرة من أسئلة إجاباتها في الماضي، لسؤال قد نحمل إجابته معنا في الحاضر، ماذا يمكننا أن نفعل إذن، ليس لإعادة تخليق يناير مرة أخرى، بل لإحداث تغيير، للتفكير مرة أخرى أن هناك تحولًا ديمقراطيًّا نستحقه ودفعت بالفعل من أجله البلاد الثمن غاليًا. وهذا لا يعني أبدًا أن نهمل التاريخ أو لا نستلهم منه، بل نفعل ذلك لكن وأعيننا على الواقع، لا على الماضي الضائع.
وهنا، لن أضرب المثل بتجارب التحول الديمقراطي في بلدانٍ غير مصر، رغم الدروس التي يجب علينا تعلمها لأهميتها. لكن ستكون الإجابات ذات طابع مصري، حتى تكون الصورة واحدة.
كسر السيطرة
تحاول السلطة في مصر، السيطرة على وعي المجتمع بشتى الطرق، التلفزة والراديو يسبحان يوميًّا بحمد السلطة دون نقد، جرائد ووسائط مقروءة لا تكتب حرفًا ليس على هوى السلطة، ويبقى الانترنت وهو المجال الذي ما تزال تحاول السلطة السيطرة عليه وتحجيمه أو إخافة الناس على الأقل من ممارسة حقوقهم في التعبير عن آرائهم من خلاله، ومع التطور التكنولوجي الواسع الذي يعيشه العالم، وأدى بالتبعية لهبوط أسعار الهواتف النقالة وأسعار استخدام الانترنت، لا تجد اليوم من لا يمتلك طريقةً (Access) للوصول للمعلومة، للخبر، للفكرة. كما ساعد هذا التطور إلى خلق ملايين الوسائط والتطبيقات التي تقرِّب الجمهور، وبفكرة ذكية وأسلوب مقبول وإمكانات بسيطة تستطيع إحداث تغيير حقيقي للأفكار والتوجهات، أو على الأقل تكون محفزًا للتفكير في ذلك.
عمد النظام لإغلاق المجال حتى على القوى المجتمعية غير المشتغلة بالسياسة، الجمعيات الأهلية ومؤسسات دعم الفقراء وذلك لعلمه بمدى التأثير الذي قد تصبح عليه هذه المؤسسات لتكون حجر أساسٍ في مواجهته مع الشعب، أو على الأقل تسحب من رصيد تحريضه على القوى الرافضة له، فلا تنسى جمهورية الضباط، الدور الهام الذي لعبته اليسارية اليسارية لسنوات في دعم قضايا العمال في أقاليم مصر، من المحلة لوادي النطرون، محاولين توفير بيئات عمل آدمية لهم، تلك المجموعات العمالية أضحت فيما بعد قوةً ضاربة في الحراك ضد مبارك، وهو ما لا ينساه رئيس المخابرات الحربية الأسبق، الذي لا ينسى أيضًا الدور الذي لعبته المؤسسات الأهلية المدعومة من التيارات الإسلامية، التي ساعدت لسنوات آلاف الأسر، من تكافلٍ اجتماعي وعلاج بالمجان وحتى مساعدات علمية للطلاب المتفوقين، الذين صاروا فيما بعد كوادر لهذه التيارات، وشاركت في موجات الحراك ضد مبارك من الأقاليم حتى الجامعات. وهي التحركات الاجتماعية، التي من الغريب على قوى المعارضة تجاهلها، طبعًا مع التأكيد على تفهم حالة القبضة الأمنية المسيطرة والتي تمنع حدوث أي تحرك خارج إطار الكيانات التي تنظمها الدولة. لكن لو لم تكن للمعارضة مخططًا لكسر حالة الاحتكار هذه، فما الخطة التي لديها إذن؟
استثمار الفراغ الإعلامي
تمتلك بعض قوى المعارضة في الخارج قنوات إعلامية ذات قدرة واسعة على الوصول، ولديها تحالفات مع إداراتِ قنوات أخرى، لكن الواقع القائل بأن هذه المؤسسات تحظى بمشاهدة عالية، لكنها غير ملحوظة التأثير، والأمر مرهون هنا بجودة الرسائل التي تبثها هذه المنصات.
ولا يمكن هنا نفي بعض المحاولات الرامية لأداءٍ إعلامي موضوعي ذا منطقية، لكن الأغلب يسعى خلف التشهير وملاحقة “الترندات\الموضوعات الرائجة“ والتندر بعدد المشاهدات، ورغم أهمية هذه الأرقام، لكنها لا يجب أن تكون الهدف الأوحد لهذه القنوات، فزيادة عدد المشاهدين لا يعني أبدًا القدرة على التأثير. وهي معادلة ليست بالصعبة، فأي دارسٍ للإعلام وتأثيراته، يمكنه معاينة الفرق، تحتاج أن تقوم بالموازنة، أن رسائلك على بساطتها يجب أن تكون مهمة، ومتوازنة، ألا يتجاهل أو يعادي أي قطاعٍ مجتمعي مهما مثَّل لك هذا القطاع من اختلافٍ في الرؤية والتوجه، ومن هنا تستطيع بدء الخطة الموازية لدحض خطاب النظام، وتثبيت ما تطمح له، من تغيير وعدالة وحرية، عليك فقط إعداد العُدَّة دون كذِب أو صراخ، واترك حينها الحكم لمن يبحث عن الحقيقة. لأنه علينا أن ندرك، أن المواطن المصري سأم من رسالة الـ “سامسونج“ الموحدة، التي يبثها إعلام القاهرة، وأصبح في حاجةٍ ماسَّة لصوتٍ مختلف، ولهذا يسعى النظام جاهدًا لتحجيم عمل هذه القنوات.
ومن خلال تطويع الانترنت وأدواته الحديثة، وإعادة تموضع خطابك داخل المجتمع، وإظهار أحقية ما تطالب به في مقابل ما يدَّعيه النظام، حينها فعلًا قد تكون قادرًا على النقاش حول سؤال الثورة، متى ستحين؟
المصادر
- حسب الخطة، هيومن رايتس ووتش١٢ أغسطس ٢٠١٤
- هناك متسع للجميع… سجون مصر قبل وبعد ثورة يناير، الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ٥ سبتمبر ٢٠١٦
- القمع في مصر من مبارك إلى السيسي،مجلة صدى كارنيغي، ماجد مندور، ١١ أغسطس ٢٠١٥
- الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة، يونيو ٢٠٠٤
- الإعدامات غير المرئية في مصر، مجلة صدى كارنيغي،ماجد مندور، ٢٥ أبريل ٢٠١٩
- أحمد قطان، برنامج في الصورةبحق الدم، تيران وصنافير مصرية، د. خالد فهمي ١١ يونيو ٢٠١٧.
- الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام ٢٠١٧ – ٢٠١٨
- عبدالفتاح السيسي، مؤتمر ابدع – انطلق، ٢٨ يناير ٢٠١٧
- قمع المجتمع المدني في مصر، هيومن رايتس ووتش، ١٤ فبراير ٢٠١٩.
- اليسار في مصر: حدوده وآفاقه في عالم 2011،علي الرجال، جريدة السفير، ٤ يناير ٢٠١٩
- أبحاث شركة إبسوس لقياس الرأي العام، مصر، أعوام ٢٠١٦ و٢٠١٧.






