المسافر “غير الشرعي” يوجد في مساحة خارج نطاق حماية القانون لا بسبب عجز فعاليته، بل نتيجة قرار سياسي. وهذه هي السمة الرئيسية لسياسات الحدود المعاصرة (خسرافي، 2010، ص. 27). إن أدبيات الحدود والهجرة غير الشرعية مليئة بأمثلة لمناطق عنف واستثناء، مناطق لا تمثل عجز الدولة اللوجيستي ولا عدم القدرة على البولسة، بل تمثل قرارا واعيا ودستوريا باعتبار هذه المناطق خارج تغطية الحقوق الدستورية. وأهم ما في مناطق الاستثناء أنها ليست تمثيلًا لغياب الدولة غيابًا سلبيًا، بل إن وجودها واستمرارها هو أحد أركان سيادة الدولة وشرعنتها لسلطتها داخل حدود واضحة. ويهدف هذا المقال إلى قراءة واحدة من مناطق الاستثناء، وهي البحر الأبيض المتوسط، في محاولة لفهم وظائفه في السياسات المعاصرة.
البحر الأبيض المتوسط، والقناة الإنجليزية، والحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك -اليوم- صارت مناطق استثناء، وليس من قبيل الصدفة أن الخطابين الحقوقي والأمني غالبًا ما يتم توظيفهما معًا في التعامل مع موجات الهجرة عبر المتوسط، أو حتى في دراستها (ويرتز، 2021؛ دافيتي، 2019؛ دينس، مونتانا وروجيرو، 2014). وعلاوة على ذلك، فإن المخيمات المؤقتة للاجئين داخل الأراضي -وليس فقط خارجها كما في المتوسط- أصبحت أيضًا مناطق استثناء دائمة، بمعنى أن العديد من القوانين المحلية لا تسري عليها، بل تُستثنى أحيانًا حتى من الخرائط الرسمية رغم أنها قائمة منذ عقود (خسرافي، 2010، ص. 101).
ممارسة العنف الجسدي على الحدود اليوم ليست أمرًا عرضيًا؛ بل فعلًا متعمدًا، وتشكل جزءًا من أدوات الدولة لـ”السيطرة الشرعية”. إن حماية الأمن القومي، إلى جانب الخطاب الحقوقي الهادف إلى منع “الوفاة المؤسفة” للمهاجرين غير الشرعيين في البحر، قد أديا إلى إعلان حالة طوارئ في أوروبا على سبيل المثال. وقد أسهمت هذه الحالة في تبرير ممارسات مثل إغراق قوارب المهاجرين في المياه، وتعذيب المتسللين غير النظاميين جسديًا، وإعادتهم قسرًا. وتنبع هذه الممارسات من محاولة للحفاظ على “نقاء” الأمة، والتمييز بين الإنسان الطبيعي والمواطن. وبذلك يصبح البحر منطقة تمييز بين المواطن والإنسان المستباح، حيث لا تُلزم سيادة الدولة أن تشمل حقوقها مناطق الاستثناء، بل إن غياب الحقوق في هذه المناطق يكون جزءًا من عملية حماية أمان المواطن وحقوقه داخل حدود الدولة.
هنا يتقاطع الخطاب الإنساني حول إنقاذ الأرواح في البحر مع خطاب أمني ليعيد إنتاج صورة المهاجر على أنه حياة عارية، جسد بلا حقوق سياسية، لا تُقاس قيمته إلا من منظور بيولوجي. لا يُحسب المهاجرون كأصحاب حقوق، بل كأجساد تتم إدارتها، ويُعدّ وجودهم أو موتهم تأكيدًا لسيادة الدولة على أراضيها، وضمانًا لسلامة المواطن. علاوة على ذلك، فإن المهاجرين غير النظاميين -بصفتهم أجسادًا مباحة- يُتركون عرضة للعنف ليس فقط من أجهزة الدولة عبر سياسات الهجرة وحرس حدودها، بل أيضًا لعنف المواطنين العاديين، دون أن يكون لديهم القدرة على الحماية أو الدفاع عن أنفسهم (خسرافي، 2010، ص. 36).
وهذا هو التناقض الحقيقي في جوهر السلطة السيادية، كما يوضحه أغامبن: فالسلطة السيادية تكون في أقصى قوتها لا عندما تحمي الحياة؛ بل عندما تتخلى عنها. والعنف على الحدود ليس ظرفيًا أو استثنائيًا، بل هو اللحظة التي تكشف فيها السيادة عن ذاتها بأوضح صورة. وفي هذا السياق، يصبح المهاجرون شخصيات يسهل التضحية بها لتتيح للدولة-الأمة إعادة إنتاج نفسها كمجتمع سياسي محدود ونقي، يُعرَّف من خلال مَن يجب إقصاؤهم. وتستمد الدولة سيادتها من خلال قدرتها على تقرير أي الأرواح تستحق الإنقاذ، وأيها يمكن التخلي عنها بلا تبعات. وهذا الإقصاء ليس فشلًا في القانون أو السياسة، بل هو بنيتهما الجوهرية: إدماج الحياة من خلال استبعادها. فتُظهِر السيادة قوتها ليس فقط من خلال إصدار القوانين، بل أيضًا من خلال تقرير متى ولمن لا يُطبق القانون.
كما يميز أغامبن بين الحياة، أي الحياة التي نزع منها الطابع السياسي، والحياة السياسية التي يتمتع بها المواطن، فالمهاجر غير الشرعي هو جسد منزوع السياسة. وهذا يفسر اهتمام سياسات ودراسات الهجرة دائمًا ببولسة المهاجر، معالجته طبيًا أو اجتماعيًا، وليس النظر إليه على أنه فاعل سياسي مهما بلغ حجم مجموعته أو تأثيرها في بلدها الأم.
تتجلى هذه الممارسة بوضوح في أنظمة الحدود الأوروبية، حيث يُقصى المهاجرون واللاجئون -خصوصًا القادمون بطرق غير نظامية عبر البحر- عن المجتمع السياسي بشكل ممنهج. فيصبح البحر الأبيض المتوسط ما يسميه أغامبن بـ”منطقة التمييز بين الداخل والخارج”، وهي مساحة يُطمس فيها عمدًا الخط الفاصل بين القانون والعنف، بين الإدماج والإقصاء، بين الحياة والموت (أغامبن، ص. 110). ومن خلال مفهوم الإدماج الإقصائي، يُوضع الأفراد غير المرغوب فيهم -كاللاجئين وأنصاف المواطنين- على العتبة بين الداخل والخارج، بين ما يجب حمايته وما تجب الحماية منه (أغامبن، 1998، ص. 98؛ خسرافي، 2010، ص. 85).
لذا، فإن ممارسات الحدود الأوروبية من دفع المهاجرين، وإغراقهم، واحتجازهم، لا ينبغي أن تُعتبر مجرد إخفاقات في المعايير الإنسانية، بل هي تعبير عن المنطق البنيوي للسيادة. إذ تعيد الدولة -باستمرار- تأكيد شرعيتها عبر إنتاج الإقصاء وتعريض حيوات معينة للعنف دون مساءلة قانونية، بل بنص قانوني. فحالة الاستثناء، التي تُعلق فيها القوانين، ليست خارج النظام القانوني بل هي من نتاجه. ومن خلال وضع المهاجرين غير الشرعيين في مساحة انعدام القانون، تمارس الديمقراطيات حقها السيادي في تقرير من يُدرج في المجتمع السياسي ومن يُستبعد. فيصير المهاجرون حيوات عارية يمكن التضحية بها، لأنهم موجودون خارج حماية القانون، ولو كانوا تحت نظره.
وكما تمثل الحدود منطقة استثناء تقع خارج الإقليم الوطني، فإن مخيم اللاجئين يمثّل منطقة استثناء موازية، ولكن داخل الدولة. هذا المكان لا يتعرض لعنف أجهزة الدولة فقط، بل أيضًا لعنف المواطنين العاديين. فالمخيم ليس بقايا تاريخية من الماضي، بل هو تجسيد للخيال السياسي للديمقراطيات في عالمنا المعاصر (أغامبن، ص. 169).
جديرة بالذكر هنا أفكار نوربرت إلياس حول “عملية التمدن” في تحليل عنف المواطنين ضد المهاجرين. فبينما يلاحظ إلياس تراجعًا عامًا في مستويات العنف الجسدي من قبل الدولة والمواطنين على حد سواء، نتيجة لمركزية الدولة والحداثة، فإن استمرار العنف ضد المهاجرين لا يتناقض بالضرورة مع هذا الاتجاه الذي أشار إليه. تقترح نظرية إلياس أن تراجع مستويات العنف في الغرب كان نتيجة لتحولات اجتماعية وثقافية، أنتجت محرمات ومشاعر اشمئزاز تجاه ممارسة العنف (إلياس، 2000، ص. 380) فالأمر لا يقتصر على أن النظام السياسي قد قيَّد العنف، بل إن الأفراد أنفسهم طوروا مشاعر اجتماعية ونفسية رافضة له.
غير أن النظر إلى العنف المنظم ضد المهاجرين، وإحراق مخيمات اللاجئين، والعديد من الحوادث التي تنطوي على اعتداءات شخصية تهدف إلى إلحاق الأذى الجسدي، يجعل من المشروع التشكيك في مدى فاعلية عملية التمدن. ومع ذلك، فإن الجمع بين أفكار أغامبن وإلياس قد يقدم تفسيرًا منطقيًا لهذا التناقض الظاهري. فعلى سبيل المثال، إذا كان الإنسان المباح -وفقًا لأغامبن- مستبعدًا من النظام السياسي، أو من النظام المدني وفقًا لإلياس، فإن العنف ضد المجتمعات المهمَّشة أو المستبعَدة لا يُعد خرقًا للاشمئزاز الاجتماعي من العنف، ولا تهديدًا للنظام السياسي السلمي، بوصفه مستهدِفًا فئة جرى إقصاؤها ثقافيًا واجتماعيًا.
لذا، فإن العنف الذي تمارسه كلٌّ من الدولة والمجتمع ضد المهاجرين، الذين يُنظر إليهم كأجساد بيولوجية مجردة من الحقوق السياسية، لا يتناقض -بالضرورة- مع أثر التمدن. وبالتالي، يمكن تنقيح أفكار إلياس بالقول إن عملية التمدن، وإن كانت حقيقية إلى حد ما، فهي انتقائية في تحديد من يُدرج ضمن النظام المتمدن. وبالمثل، فإن معسكرات الاعتقال قد لا تكون استثناءً أو خرقًا لـ”عملية التمدن” كما يرى إلياس، بل قد تكون جزءًا من المسار العام للتمدن داخل الأمة-الدولة. فبمجرد استبعاد مجموعة اجتماعية واعتبارها جسدًا بيولوجيًا فقط، يصبح العنف ضدها ليس مبررًا فحسب، بل أيضًا غير إشكالي من الناحية الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية.
يحاول هذا المقال تسليط الضوء على مناطق الاستثناء، مثل: البحر الأبيض المتوسط ومخيمات اللاجئين باعتبارها حالات لم تعد طارئة أو هامشية، بل أصبحت جزءًا بنيويًا من السيادة الحديثة، إذ يُعاد إنتاج مفهوم الدولة من خلال الإقصاء والعنف المؤسسي. إن التعامل مع المهاجرين باعتبارهم “حيوات عارية” يكشف عن اتساق عميق بين مبادئ الديمقراطية وواقع ممارساتها الحدودية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول من يُمنح الحق في الحياة؟ ومن يُقصى منها باسم الأمن والسيادة.
المصادر
Agamben, G. (1998). Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life (D. Heller-Roazen, Trans.). Stanford University Press.
Dines, N., Montagna, N., & Ruggiero, V. (2014). Thinking Lampedusa: border construction, the spectacle of bare life and the productivity of migrants. Ethnic and Racial Studies, 38(3), 430–445. https://doi.org/10.1080/01419870.2014.936892
Daria Davitti, Biopolitical Borders and the State of Exception in the European Migration ‘Crisis’, European Journal of International Law, Volume 29, Issue 4, November 2018, Pages 1173–1196, https://doi.org/10.1093/ejil/chy065
Elias, N. (2000). The Civilizing Process: Sociogenetic and Psychogenetic Investigations (E. Jephcott, Trans.). Blackwell Publishing.
(Original work published 1939)
Khosravi, S. (2010). Illegal Traveller: An Auto-Ethnography of Borders. Palgrave Macmillan.
Wiertz, T. (2020). Biopolitics of migration: An assemblage approach. Environment and Planning C: Politics and Space, 39(7), 1375-1388. https://doi.org/10.1177/2399654420941854 (Original work published 2021)









تعليقات علي هذا المقال