لماذا سُبُل؟

بينما ينقضي عقدُ الثورات العربية الأول، يبدو واضحا أن الشعوب العربية كي تستكمل مسيرتها نحو الحرية والعدالة والكرامة، لا يكفي أن تثبت جدارتها في ميادين التظاهر، ولكن أيضا في عالم الأفكار. تعلمنا في هذا العقد الطويل أن التغيير يصنعه تجديد فكري مُلهِم وليس فقط خطب حماسية، ويحميه وعي الجماهير وليس فقط أصواتها الهادرة في الميادين. كي تكون الحرية كاملة، وممكنة، يجب أن تشمل تحرير الأجساد من قضبان السجان، وتحرير الإرادة من قيود تحققها، وتحرير الوعي من ثقافة الخوف والضعف والتبعية والاستبداد.

حملتْ لنا هذه السنوات العشر أجوبة قليلة، وأسئلة كثيرة ما زالت تنتظر من يتصدى لها، ويجتهد في تلمس سُبُل جَلائِها وتِبيانِها للمشغولين بتحقيق مستقبل أفضل لأوطانهم. أسئلة متنوعة بقدر تنوع جبهات العمل، وبقدر تعدد متطلبات السعي للتغير، بما يشمل حاجتنا لفهم واقعنا الاجتماعي والسياسي، مشكلاتنا الاقتصادية والأخلاقية، والتحديات النابعة من موقعنا على الخريطة، والناتجة عن سنن التدافع، والتعارف، بيننا وبين الأمم والشعوب في عالمنا الإنساني. لذلك، لا يقتصر البحث عن الإجابات على شؤون السياسة فحسب، بل يشمل الثقافة، والتربية، والفن، والإعلام. وهو بحثٌ يتطلب طول نظر في التاريخ، وتدبرا ثاقبا للحاضر، واستشرافا بصيرا للمستقبل.

تطمح هذه الصفحات إلى الإسهام في هذا النضال النبيل، بأن تكون ملتقى أقلام تكابد تحديات الواقع، وساحة جدال بين أفكار تسعى للاستجابة لمتطلبات اللحظة التاريخية التي تمر بها الشعوب العربية. لا تدعو هذه الصفحات إلى سبيل واحد، بل إلى “سُبُل” متنوعة، وبدائل تستحق الاختبار، وأفكار تتطور وتتراكم إلى أن يشرق من رحمها خطاب مُلهم، وخطة هادية، وطريق مستقيم إلى المستقبل الموعود الذي تسعى إليه أمتنا. وتسعى “سُبُل” أيضا إلى تعزيز التواصل والتشبيك بين المهمومين بفريضة التفكير، الذين يدفعهم قلق عقولهم وأرواحهم إلى محاولة التعبير الصادق عن هموم الشعوب، ليس باعتبارهم نخبا مثقفة قادرة على التنظير، ولكن وهذا هو الأهم، باعتبارهم متفاعلين لا يقتصر اتصالهم بالواقع على النظر، بل يكابدون مشاقه وتغذي حماستهم حرارته. ومن ثم، يلمسون تحديات الواقع ومتطلباته، ويختبرون بأنفسهم آلام المخاض الطويل.

ليست هذه مهمة متواضعة، لكنّ هذا هو الواجب الذي لا مفر من التصدي له؛ وهي مهمة على قدر الحُلم الذي مسّ قلوبنا وأسر أرواحنا، وامتلك عقولنا. وإنّ ما نرجوه، هو أن ينظرَ الله إلى هذه الأقلام وهي تكابد مشاق التعلم والعمل، فيعلمها ما لم تكن تعلم؛ وتخطو متحدية بواعث اليأس ومبررات الاستسلام. ينظرَ إلى جُهد أصحابها واجتهادهم، فيأخذ بأيديهم ويعلمُهم ما لم يعلموا، ويهديهم إلى سُبُله في الدنيا والآخرة، ويقبلهم مع المحسنين. «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ»[العنكبوت:69].

                                                        بقلم   عمار فايد